رسالة الراعي الصالح


قوة العطاء والمحبة الإلهية الغالبة | بقلم: الأم إيفون لوريا

يُمثّل مفهوم العطاء في الفكر المسيحي جوهر الحياة الروحية وحركتها الأساسية؛ فهو ليس مجرد سلوك أخلاقي ظاهري أو تقديم للمقتنيات المادية، بل هو انعكاسٌ حيٌّ لطبيعة الله ومحبته. ننطلق من الركيزة الكتابية التي وضعها القديس بولس الرسول مستشهداً بكلمات الرب يسوع: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أعمال الرسل 20: 35)، لتوضيح أن العطاء الحقيقي هو حركة خروج من الذات نحو الله والآخرين، ينبع من نبع المحبة الإلهية السامية.

 

يتحدد الفرق الجوهري بين "العطاء" و"الأخذ" في اتجاه الإرادة والمركزية الذاتية:
1. طبيعة الأخذ (التمركز حول الذات):
تنشأ رغبة الأخذ من الشهوة والذات؛ حيث تسعى النفس إلى الامتلاك والتأكيد الذاتي والبحث عن المنفعة والراحة الشخصية.
2. طبيعة العطاء ( الخروج من الذات): يُعد العطاء ثمرة حية لعمل الروح القدس في القلب؛ فهو يتطلب التنازل، والبذل، والتخلي عن الأنانية.

لذا، فإن سر السخاء في العطاء — كما تجلى في كنائس مقدونيا — يكمن في قاعدة أساسية: "أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً لِلرَّبِّ" (2 كورنثوس 8: 5). فعندما تُقدَّم النفس بكاملها إناءً مكرساً لله، يغدو بذل المال والوقت والجهد لخدمة الإخوة نتيجة طبيعية وبديهاً روحياً.

 

محبة الثالوث كأصل ومقياس أسمى
تجد المحبة في اللاهوت المسيحي أصلها ونموذجها المطلق في علاقة أقانيم الثالوث الأقدس:
الأصل والصورة: المحبة القائمة بين الآب والابن هي الأصل، ومحبة الكنيسة هي الصورة الناتجة عنها. لقد أعطى الآب ذاته وحياته للابن (يوحنا 5: 26)، بينما أطاع الابن الآب طاعة كاملة حتى الموت (فيليبي 2: 8)، شاخصاً في مشيئته ومتتحداً به.
رؤية الآخر بعيني الله: حينما يشخص المؤمن في مشيئة الآب متحدًا بالابن، يستقي المحبة المجانية غير المشروطة؛ فيحب أخاه كما هو، ليس بناءً على المنفعة أو الاستحقاق البشري، بل لأن الآب يحبه بمحبة فائقة.

 

بولس الرسول كنموذج في بذل النفس والخدمة
يُقدم الرسول بولس القدوة العملية للمؤمن الذي انحصر في محبة المسيح؛ إذ لم يستبقِ لنفسه شيئاً، بل أعلن: "وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي" (أعمال الرسل 20: 24). 

ولم يقتصر عطاؤه على إعلان كلمة الإنجيل، بل امتد إلى تقديم النفس بروح الأبوة والحنان (1 تسالونيكي 2: 8). إن هذا المستوى من التكريس والبذل يوضح كيف يتحول الإنسان — حين يسلّم إرادته بالكامل للمسيح — إلى أداة حية لإشباع النفوس.

 

الغلبة والمحبة
تتجاوز المحبة كونها مجرد شعور فردي لتصبح قوة روحية غالبة في الصراع ضد الظلمة:
نار المحبة الفائضة: إن الاتحاد المتبادل بين العريس (المسيح) والعروس (الكنيسة) يولد نار حب إلهية تفيض من العروس وتغلب قوى الشرير.
إدانة الظلمة والموت: إن المحبة والأمانة في حياة العروس هما اللتان تدينان كبرياء إبليس وخداعه؛ حيث يتبدد الموت بالحياة الأبدية الخالقة، وتضمحل الظلمة أمام النور، وتُبطل البغضة بقوة الحب الأبدي.

 

التطبيقات العملية والممارسة الروحية
المحبة بالعمل والحق:
ترجمة الإيمان إلى أفعال ملموسة (1 يوحنا 3: 18) وتوظيف النعمة المُعطاة في خدمة الآخرين.
سلوك الميل الثاني والغفران: التخلي عن إدانة الآخرين، ورش دم المسيح الغافر على كل مرارة أو جرح، والسير في الميل الثاني طواعية (متى 5: 41).
الترفق والصبر: الاتصاف بالوداعة والصبر على المشقات والترفق بالجميع (2 تيموثاوس 2: 24) اقتداءً بقلب الله الرحيم.


 

إن العطاء المسيحي هو مسيرة اتحاد بالله واستقبال دائم لنعمته؛ فكلما خضع الإنسان لمشيئة الرب وقاوم إبليس والذات، امتلأ بإناء المحبة الثالوثية لينسكب بها في حياة إخوته. فالمحبة الحقيقية هي حياة الله فينا، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه.

 

الأكثر مشاهدة