رسالة الراعي الصالح


أنا قد غلبتُ العالم! | بقلم: الأنبا مكسيموس

واحدةٌ من الثوابتِ الأساسيّة في بشارة الإنجيل – والتي تغيب عن وعي كهنة العهد القديم القائمين في وسطنا تحت ستار خادعٍ بإيمانهم بيسوع المسيح؛ أنَّ إبليس هو رئيس عالم العهد القديم الذي يتشبّثون به، وليس هو يسوع المسيح رئيس الحياة ومانحها في ملكوته الجديد الذي أسَّسه بانسكاب الحياة الأبدية بالروح القدس على المؤمنين به؛ الأمر الذي أدّى إلى خروجهم من الانتماء إلى ملكوت ذلك العالم الذي يحكمه ويسود عليه الشرير، إلى ملكوته الذي يرأسه بمحبته ومجده، دون الخروج الفعلي والجسدي منه، ليكونوا معبر خلاص به للمدعوين إليه: "كنتم من العالم، ولكني اخترتكم من العالم"؛ "لستُ أسألك أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير".
هذا الخروج القلبي والانتمائي بالثقة والمحبة والخضوع لسلطانه له المجد، أوجد واقعًا جديدًا لكيان إنساني جديد، يعيشون على نفس الكوكب وفي نفس العالم، ولكنهم لا يخضعون ولا ينتمون إلى فكر ومشيئة وسلطان الروح المُضِلّ الذي يقود هذا العالم، والذي يعمل في أبناء المعصية! ومن هنا فإن "العالم كله قد وضع في الشرير"؛ يوجِّهه ويقوده الشرير، وأيضًا يتحكم فيه بالموت كملك للموت! وبالحروب والأوبئة والمجاعات والزلازل والكوارث، ولا يستثني من سلطانه على ملكوته (العالم) سوى أولئك الذين خرجوا من ملكوته ودخلوا في ملكوت ابن الله الذي غلبه بالصليب وجرده وطرحه إلى الهاوية؛ إلى هؤلاء فقط؛ وليس للذين يحملون اسمه كذبًا وحياتهم فعليًا من الشرير؛ يقف يسوع المسيح معلنًا بقوة لهم: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ."" (يو 16: 33).
فما نراه اليوم وسنراه غدًا من أدوات الموت المتعدّدة، هي منتَج الشرير؛ بأيدي الأشرار، لعالمٍ قد وُضِع في الشرير! لا أعرف طريقًا ولا طريقةً للنجاة من عاصفة بحرٍ هائجٍ بالموت سوى دخول سفينة النجاة؛ لذلك فبحسب الإنجيل، فلا نجاة من سلطان الموت إلا بالاحتماء داخل من هو الحياة الغالبة للموت!
أما لماذا يدمر إبليس عالمه بنفسه؟ فلأنه هو موت ودمار، وفاقد الشيء لا يعطيه؛ كما أن الطبع يغلب التطبّع!
لقد صار التحدي بالموت في مواجهة الجميع؛ وفي مقابلة صارت دعوته للنجاة للذين يطلبونه: "ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ"؛ ولكنها فقط للمتحدين به، السالكين حسب الروح، بغير خداعٍ ولا مجاملة. ولكن هذه المواجهة تعطي في الوقت نفسه فرصةً للأسياد الذين يملكون سلطان الحل والربط ومفاتيح ملكوت السماوات، أن يبرهنوا على سلطانهم غير المنظور بأفعال منظورة لنجاة الإنسان، حتى على الأقل أولئك المتشبثين بأهداب ثيابهم، طلبًا للبركة والنجاة! من لديه حل حقيقي للمشكلة بناءً على إيمانه، فليتفضل! وإلا فزيدوا البكاء في الصلاة والصراخ، لعلَّه نائم أو في خلوة! فينتبه إليكم! كما قال إيليا النبي قديمًا!

الجميع يقومون بأدوارهم لدرء خطر الوباء؛ من عاملة النظافة إلى الطبيب، من الدولة إلى الجيش؛ كل القوى في المجتمع تعمل متضافرة، ويبقى السؤال الحزين بلا جواب: حضرات رجال الدين وأصحاب المنابر والعمائم والسلطان: ماذا قدمتم للإنسانية في محنتها – بخلاف قراءة لعنات سفر التثنية على مسامعهم؟!

الأكثر مشاهدة