رسالة الراعي الصالح


بذل الذات والأمانة في التشبه بالراعي الصالح

أمانة الرعاية وسمات الخادم في ضوء نموذج الراعي الصالح

تُعد الرعاية في المفهوم المسيحي دعوة مقدسة تستمد جوهرها من شخص السيد المسيح، الذي قدم نفسه كـ "الراعي الصالح". والخدمة الحقيقية ليست مجرد نشاط، بل هي إرسالية تحمل سمات إلهية تتطلب نضجاً وتضحية.

1. النموذج الأسمى: الراعي الصالح مقابل الأجير
يرسم الإنجيل تمايزاً واضحاً بين الراعي الحقيقي وبين "الأجير". فالراعي الصالح هو الذي يبذل نفسه عن الخراف. هو الذي يواجه المخاطر (مثل الذئب أو الأسد) لحماية قطيعه، بينما الأجير يهرب لأنه لا يبالي بالخراف. كما أن الراعي الصالح يتميز بالمعرفة الشخصية لخرافه، فهي تسمع صوته وتتبعه لأنه الباب الذي من خلاله تجد المرعى والخلاص.

2. الإرسالية: الامتداد لنموذج المسيح
ليست الإرسالية مجرد وعظ، بل هي أن يُستعلن المسيح في الخادم ليقدمه للآخرين. فكما أرسل الآب الابن، يرسل المسيح تلاميذه ليكونوا حاملين لحضوره. الهدف النهائي لهذه الإرسالية هو أن يتصور المسيح في النفوس، وهو ما يتطلب من الخادم أن يعطي ليس فقط الإنجيل، بل نفسه أيضاً للآخرين.

3. ركائز الخدمة: المحبة والشفاعة

  • أحشاء المحبة: الخدمة تبدأ وتنتهي بالحب؛ الحب الذي يسكبه الروح القدس في قلب الخادم. وبدون هذا الحب الذي يرحم ويحتمل، لا يمكن للمبشر أو الراعي أن يتمم عمله.
  • روح الشفاعة: النشاط الرعوي وحده قد يملأ الكنائس، لكن الشفاعة والصلاة هما ما يغيران النفوس لتتشكل بصورة المسيح.

4. ثمن الرعاية واكتساب السلطان الروحي
الرعاية ليست طريقاً سهلاً، بل تتضمن مواجهات وتحديات:

  • احتمال أخطاء الآخرين: على الراعي أن يقبل أن "تخرج أخطاء الناس عليه"؛ فكما يُفتح "الخراج" ويخرج صديده، يجب أن يتحمل الراعي ضعف النفوس لكي تُشفى هي.
  • مواجهة الشرير: اكتساب السلطان الروحي يأتي من خلال الصمود أمام افتراءات وظلم إبليس. الغلبة في الحروب الشخصية (مثل الكبرياء أو الجروح) هي التي تمنح الخادم سلطاناً لتحرير الآخرين من قيودهم.
  • إعلان الحق: الخادم الأمين لا يرضي الناس بل يرضي الله الذي أرسله؛ لذا يجب عليه إعلان الحق الذي يحرر النفوس، حتى لو تطلب ذلك هدم أفكار وظنون قديمة لبناء الإنسان الجديد.

5. مسيرة النضج الروحي
النضج الروحي ليس اختباراً لحظياً مثل "الملء بالروح القدس"، بل هو نتاج سنوات من الخبرات والمحكات والآلام. يتم هذا النضج من خلال:

  • المحك مع الأقران: حيث يتعلّم الخادم غلبة الغيرة والحسد والبغضة.
  • المناصب والمسؤوليات: التي تظهر الكبرياء المدفون ليواجهه الخادم ويتضع تحت يد الله.

 

إن جوهر الرعاية هو أن يختفي الخادم ليظهر المسيح، قائلاً: "لا أنا بل أنت يا يسوع". فالاستنارة الحقيقية تأتي من النظر إليه هو: "نَظَرُوا إِلَيْهِ وَاسْتَنَارُوا، وَوُجُوهُهُمْ لَمْ تَخْجَلْ." (مز 34: 5). فعندما يتضع الإنسان تحت يد الله القوية، يرفعه الرب في حينه ليتمم إرساليته بقوة الروح القدس.

الأكثر مشاهدة