رسالة الراعي الصالح


الثبات في المحبة: رحلة من الـ "أنا" إلى "المسيح"

الثبات في المحبة: رحلة من الـ "أنا" إلى "المسيح"

المحبة ليست مجرد شعور، بل هي جوهر الحياة مع الله؛ "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ." (1 يو 4: 16). 
لكي نفهم كيف نعيش هذه المحبة، نحتاج أن نتعلم "سر الثبات" كما شرحه المسيح في مثل الكرمة والأغصان.

سر الثبات: الكرمة والأغصان
المبدأ الأساسي للحياة الروحية هو أن المسيح هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان. الثبات يعني أن العُصارة والحياة والروح القدس يسري فينا لنأتي بثمر. وبدون هذا الثبات، لا يقدر الغصن أن يأتي بثمر من ذاته، بل يجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ." (يو 15: 6). والطريقة العمليّة لهذا الثبات هي حفظ الوصايا، فكما حفظ المسيح وصايا الآب وثبت في محبته، نحن أيضًا نثبت في محبته بحفظ وصاياه.

المسيح هو القدوة والمثال
لقد تجسد الحب في شخص يسوع المسيح؛ فهو الذي أطاع الآب لأنه واحد معه ومُعطىَ له.

  • مبادرة الآب: الآب أحب الإنسان أولًا وأرسل ابنه الوحيد ليعطينا حياته ونوره وسلطانه.
  • بذل الابن: المسيح أعطى نفسه للعروس (نفوسنا) "من أجل السرور الموضوع أمامه"، فاحتمل الصليب مستهينًا بالخزي. "نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ." (عب 12: 2). لقد رخصت حياته وكل آلامه في عينيه لكي يعطينا حياته.

محك المحبة: محبة الآخر
المحبة لا تتجزأ؛ فلا يمكن أن نقول إننا نحب الله ونحن نبغض الآخرين.

  • الوصية الواحدة: أن من يحب الله يحب أخاه أيضًا. "وَلَنَا هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا." (1 يو 4: 21)
  • المحبة العملية: تعني أن تغفر، ترحم، تقبل، تبارك، وتحتمل ضعف الآخر.
  • قانون الاحتمال: "المحبة تحتمل كل شيء وتصبر على كل شيء.. لا تحتد ولا تظن السوء". "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ، وَلَا تُقَبِّحُ، وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلَا تَحْتَدُّ، وَلَا تَظُنُّ السُّوءَ، وَلَا تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ." (1 كو 13: 4-7). الخداع يأتي من إبليس حين يضع ضعفات الآخرين تحت "الميكروسكوب" ويجعلنا نلتمس الأعذار لأنفسنا فقط.

العائق الأكبر: الـ "أنا" والأنانية
أكثر ما يعطل تدفق المحبة هو الأنانية والكبرياء؛ لأننا نخاف على أنفسنا من التعب أو الألم أو الإهانة.

  • المحبة المشروطة: أحيانًا نحب ونحن ننتظر المقابل (كلمة شكر أو تقدير)، وعندما لا نجدها نجرح ونتغاظ ونسحب أنفسنا.
  • التنقية بالمحكات: لنكتشف أن محبتنا تحتاج أن تتنقى من "الذات" وتصبح (خالصة) كمحبة المسيح.

كيف نتدرب على المحبة؟
يمكننا اتباع خطوات عملية تعلمناها من الآباء الروحيين لترويض النفس على الحب:

  • الحب لأجل المسيح: أحب الآخر ليس لأنه يستحق، بل لأن "حبيبي قال لي حبي واغفري"، فوصيته غالية عندي.
  • التمثل بالمسيح: أحب الآخر "كما" أحبني المسيح؛ فكما غفر لي وتأنى عليّ سنين طويلة، أفعل أنا بالآخر. "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا." (يو 13: 34).
  • استمداد الحب من الروح القدس: المحبة ليست مجهودًا بشريًا صرفًا، بل هي انسكبت في قلوبنا بالروح القدس. "وَالرَّجَاءُ لَا يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا." (رو 5: 5).

المكافأة: الحب يعطيك نفسه
عندما تعطي نفسك للحب (للمسيح) بالطاعة وبدون انتظار مقابل، تكون المكافأة هي شخص المسيح نفسه. يصير المسيح مقيمًا فيك ومستريحًا فيك، وحينها تستطيع أن "تسلمه" للآخرين؛ تسلمه للمُتعب ليتشدد، وللمهزوم ليغلب.

إن هدفنا هو أن نخرج من ذواتنا لنوجد فيه، وأن نضع "الكوباية تحت الحنفية" كل يوم لنستقبل سيل محبته،. فالمحبة هي النار التي تحرق الشرير وهي الدافع الحقيقي للإرسالية والخدمة.
 

الأكثر مشاهدة