موت المسيح وقيامته | بقلم: الأنبا مكسيموس
- حياة الإيمان
- Mar 31, 2026
الصورة الساذجة للاحتفال بذكرى صلب المسيح وقيامته التي نراها بين الكثرة من المسيحيين؛ تختزل آلام المسيح وصلبه في جراح الجسد وصلبه؛ الآلام التي عانى الشهداء ما هو أكثر من ذلك من جراح الجسد وتألمه! فيما ينظر البعض إلى قيامة المسيح على أنها قيامة من الموت تشبه إقامة لعازر أو ابن أرملة نايين!! فهل كانت آلام المسيح هي جراح الجسد؟! أو كانت قيامته من الموت مثل إقامة الموتى؟!
والسؤال الثاني الذي يفرض نفسه ليصحح مفاهيم البسطاء عن صليب المسيح هو: هل تسليم المسيح "بحسب مشورة الله المحتومة وعلمه السابق" يجعل الصليب هو عمل الله الآب! أم أن الصليب والموت والكراهية هم أعمال إبليس القتّال ضد ابن الله؟! أما القيامة والسلطان فهما عمل الله الآب؟
هذه الأسئلة الجوهرية التي رسخ عدم الفهم للحقيقة إجابات خاطئة عليها في أذهان البسطاء؛ ستساعدنا الإجابات الصحيحة عليها في الحصول على إنارة ومعرفة حقيقية لسر الصليب وقوة القيامة؛ الذي سينعكس بدوره على علاقتنا واختبارنا للصليب والقيامة.
فهل كان موت المسيح يشبه موت لعازر؟ الحقيقة هي أن موت المسيح الجسدي نتج عن الضغطة والدينونة التي بهما أُخذ "مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟" (إش 53: 8).
الذين لم يحتملهما الجسد الإنساني؛ لذلك مات وليس أن الجسد مات متأثرًا بالجراح والصلب؛ وهذا واضح من رواية الإنجيل نفسه أن بيلاطس تعجب أنه مات هكذا سريعًا! "فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟»" (مر 15: 44).
بينما أمر أن تُكسر سيقان اللصين الذين صلبا معه (لكي يموتا) "ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لَا تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذَلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ." (يو 19: 31-33).
إذًا فالمسيح لم يمت على الصليب متأثرًا بجراح الصلب؛ التي لم تنجح في قتل المصلوبين الآخرين! ولكن الموت الذي أتى به ملك وصاحب سلطان الموت أي إبليس به على المسيح المصلوب؛ فالصليب لم يكن مجرد ذوق الجسد للموت ولكنه كان مواجهة مع ملك الموت أي إبليس ومع كل ظلمة وطاقة الجحيم والموت الذين يمتلكهما وغلب بهما كل الخليقة.
هذه المواجهة بين ملك وسلطان الموت مع ابن الله الحي الظاهر في الجسد المصلوب، أسفرت عن هزيمة الموت واندحاره وإبطاله بقوة القيامة والحياة الغالبة للموت التي فاضت من ابن الله؛ حياة أبدية لكل المائتين على الرجاء ولكل الأموات الذنوب والخطايا. "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" (أف 2: 1-2).
إذًا فتذوق المسيح للموت على الصليب لا يشبه موت الجسد وإن كان متضمنًا بالحتم لموت الجسد؛ لكنه كان بالأساس مواجهه مع موت الجحيم وإبليس القتّال وملك الموت وسلطانه نفسه؛ الأمر الذي أسفر عن إبطال الموت وهزيمة الشيطان وطرحه إلى الهاوية؛ ولكن ما معنى هزيمة الموت وإبطاله؟
غلبة المسيح على الموت
حتى نفهم معنى غلبة المسيح على الموت؛ لا بد لنا أن نفهم ما هو الموت وكيف كان يحدث للإنسان!؟
الموت يشبه مدفعًا يطلق قذائف مميتة؛ ولكن هذا المدفع المميت لا يعمل من تلقاء ذاته بل لا بد للمدفع من مدفعجي يتحكم فيه ويفعله ويقتل به؛ ومن ثم فالموت ليس مجرد طاقة سلبية تعمل من تلقاء ذاتها ولكن هذه الطاقة المميتة صادرة عن من هو الموت ومصدر هذه الطاقة الظلامية المميتة الذي يوجهها نحو الإنسان ويأسره بها في حيازته وتحت سلطانه؛ ثم في النهاية ينجح هذا الموت في أن يقتل الجسد فتنفصل الروح عن الجسد؛ ثم يعمل الموت في الجسد بالتحلل والتفسخ، وأما روح الإنسان التي خرجت من جسده بموت الجسد فيقبض عليها إبليس بقوة الموت الصادرة عنه ويجتذبها إلى الهاويه أي الجحيم الذي هو مكان تحت الأرض تمكث فيه الأرواح مقيدة بقوة الموت؛ وهذا هو البقاء في الموت أو الجحيم؛ الذي لم يستطع أحد من البشر الذين ماتوا من الإفلات منه من آدم حتى باقي البشرية بدون استثناء بما في ذلك أنبياء العهد القديم؛ إلا إذا نُقل الإنسان مثل ايليا ومثل أخنوخ الذي نقل لكي لا يرى الموت إذ شهد له أنه أرضى الله (عب٥/١١)
ومن ثم فإن الخطايا هي أذرع أخطبوط الموت التي يقبض بها إبليس على أرواح فرائسه من البشر ومن ثم فإذا كان إنسان بلا خطية؛ يصبح أخطبوط الموت بلا قوة وبلا أذرع يقبض بها على ذلك الإنسان، فلما حشد إبليس كل قوى الكراهية والشر من رؤساء الكهنة والجموع التي يهيجونها لتصرخ أمام بيلاطس أصلبه أصلبه؛ وفي لحظة ذوقه للموت وهو يسلم الروح الإنسانية من جسده؛ جاء إبليس مُدبر مكيدة صلبه بأخطبوط الموت ليقبض به على روح المسيح الإنسانية كسائر البشر؛ لكنه فوجئ بأن أخطبوط الموت الذي قبض به على كل البشر هو بلا أذرع وبلا قوة أمام الإنسان يسوع المسيح الذي بلا خطية؛ بل وأيضًا تواجه مع قوة الحياة الغالبة للموت التي تفيض من إبن الله الحي ومن هو الحياة الإلهية؛ ضد من هو الموت ومصدره؛ فأبتلعت الحياة الموت وغلبته صانعة القيامة والغلبة على الموت وبدلًا من أن يتمكن الشرير من الإمساك بروح المسيح الإنسانية بأخطبوط موته!
تعقبت روح المسيح الإنسانية بقوة القيامة؛ الروح الشرير حتى مقر أرواح الموتى المقيدين بالموت في الهاوية؛ لتمنح قوة القيامة والحياة الغالبة للموت للأرواح المنتظرة مجئ المخلص على الرجاء؛ هذه الأرواح التي إستلمت قوة القيامة من روح المسيح؛ قامت مع المسيح
"قام كثير من أجساد القديسين الراقدين و خرجوا من القبوربعد قيامته و دخلوا المدينة المقدسة و ظهروا لكثيرين" ( مت ٢٧ : ٥٢، ٥٣)