استعلان المسيح فينا… دعوة إلى العطاء قبل الأخذ | بقلم: الأم إيڤون لوريا
- حياة الإيمان
- Feb 28, 2026
بين الأخذ والعطاء
في تأمل عميق من رسالة رومية أن الخليقة كلها تئن وتتمخض منتظرة استعلان أبناء الله. "لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا - عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ." (رو 8: 19-22).
هذا الاستعلان ليس مجرد لقب روحي، بل هو نضج البنوة، حين يتجسد حضور المسيح في النفس والروح والجسد، فيصير المؤمن إناءً حيًا يُظهر المسيح في كل تفاصيل حياته.
الحديث ليس فقط عن المجيء الثاني للمسيح، بل عن ظهوره لكنيسته أولًا. ظهور يُعطي فيه نفسه لعروسه، لكي تحمل حضوره وتُرسَل به إلى العالم. فكما قال الرب: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا"، "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا»." (يو 20: 21).
لا يمكن أن تتم الإرسالية بدون اتحاد حقيقي بالمسيح. هو النور الحقيقي، لكنه يريد أن يجعلنا نحن أيضًا نورًا، نُظهره ونُعلنه وننقل محبته وسلطانه للآخرين.
كثيرًا ما نطلب المسيح بدافع الاحتياج الشخصي: نريده ليملأنا مجدًا، أو يمنحنا حبًا، أو يرفعنا روحيًا. وهذا في ذاته ليس خطأ، لكن الخطر يكمن في الاتجاه الأناني للأخذ. فالمسيح ليس قوة تُمتلك، بل شخص يُعاش معه. ولا يمكن أن نأخذه ما لم نُعطِ أنفسنا له أولًا.
العطاء هنا هو عطاء النفس في خضوع ومحبة وطاعة. أن أضع ذاتي بين يديه، أن أقبل الصليب، أن أرفض غوايات إبليس، أن أتنازل عن الكبرياء والمرارة والذات. حينها فقط تُؤتى إلينا النعمة عند استعلان يسوع المسيح. "لِذَلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ." (1 بط 1: 13).
شفاء النفس… ابتلاع الموت بالحياة
الموت لا يعمل في الجسد فقط، بل في النفس أيضًا: في الحزن، والانكسار، والشعور بالرفض، والفشل، والاضطراب. كم من نفوس مؤمنة وخادمة لكنها مثقلة بانحناءات داخلية! والمسيح يأتي ليبتلع هذا الموت بحياته الغالبة.
هو لا يقترب من النفس ليؤنبها، بل ليصالحها. يدعوها أن تقبل نفسها كما هي، بضعفها وانكسارها، وأن تغفر لنفسها، وتترك له مهمة الشفاء. فليس بالقوة ولا بالقدرة، بل بروحه. إنه الجراح الأمين الذي يطلب منا الاستسلام، لا المقاومة.
فداء الجسد واستعلان المجد
النعمة التي تُعطى عند استعلان المسيح لا تقف عند حدود المشاعر، بل تمتد إلى الجسد أيضًا. "هذا الفاسد يلبس عدم فساد". "لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لَا بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ." (1 كو 15: 53).
حين يُدان الروح النجس ويُغلب، يصير الجسد نيرًا، حاملًا للحياة. كما خرجت قوة شفاء من جسد المسيح، كذلك يمكن أن يشرق نور الحياة من أجساد الذين اتحدوا به نفسًا وروحًا وجسدًا.
هذا هو ميراث الكنيسة: أن تلبس الحياة الغالبة للموت، فيبطل الفساد، ويُبتلع الحزن، ويزول الاضطراب، ويُستعلن مجد القيامة.
الطريق العملي
الاستعداد ليس مشاعر عابرة، بل مسيرة يومية من الطاعة والبذل. الزيت لا يُجمع دفعة واحدة، بل نقطة نقطة. كل بذل، كل عطاء، كل إنكار ذات، كل طاعة للوصية، يزيد الزيت في الإناء.
المعادلة الإلهية واضحة: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ". "فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ»." (أع 20: 35).
من يطلب أن يأخذ لن يأخذ، ومن يسكب نفسه سيُملأ. من يضيع نفسه من أجل المسيح يجدها فيه.
دعوة إلى عهد جديد
الدعوة اليوم هي أن نترك ما نمسك به في قلوبنا: كرامة، لذة، مال، تعلق، ذات. أن نضع "إسحاق" على المذبح، أيًا كان شكله في حياتنا. أن نعطيه النفس والجسد والفكر، بثقة أن من يعطي نفسه لا يضيع، بل يجد حياته مستترة مع المسيح في الله. "لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ." (كو 3: 3).
إنها دعوة إلى دخول شركة حقيقية مع الآب وابنه يسوع المسيح، إلى اتحاد يتزايد حتى النهار الكامل. دعوة إلى أن نصير هيكلًا يستريح فيه، ومسكنًا يعلن فيه مجده.
المسيح مشتاق أكثر مما نشتاق، ينتظر عروسًا تعطيه قلبها ليعطيها نفسه. فهل نختار اليوم أن نُعطي قبل أن نأخذ؟ هل نبيع الرخيص لنربح اللؤلؤة الكثيرة الثمن؟
إنها لحظة حاسمة، وفرصة مفتوحة. فمن يُسلِّم نفسه، ينال ميراثًا لا يفنى، ومحبة أبدية لا تتغير، وحياة تبتلع كل موت.
"مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَدَنَّسُ وَلَا يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ." (1 بط 1: 3-5).